محمد بن وليد الطرطوشي

127

سراج الملوك

الباب الثالث فيما جاء في الولاة والقضاة وما في ذلك من الغرر والخطر قال الله تعالى : يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [ ص : 26 ] جاء في التفسير : من اتباع اللهوى ، أن يحضر الخصمان بين يديك ، فتود أن يكون الحق للذي لك منه خاصة ، وبهذه الخصلة سلب سليمان بن داود عليهما السلام ملكه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : كان الذي أصاب سليمان بن داود ، عليهما السلام : أن ناسا من أهل ( جرادة ) امرأته ، وكانت من أكرم نسائه عليه ، تحاكموا إليه مع غيرهم ، فأحب أن يكون الحقّ لأهل ( جرادة ) فيقضي لهم ، فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحدا . ومن ذلك آية الملوك التي أنزلها الله تعالى في السلاطين ، لما اقتضته من السياسة العامة ، التي فيها بقاء الممالك ، وثبوت الدول ، قال الله تعالى : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [ الحج : 40 ] ، ثم سمى المنصورين ، وأوضح شرائط النصر ، فقال تعالى : الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [ الحج : 41 ] ، فضمن اللّه تعالى النّصر للملوك ، وشرط عليهم شرائط كما ترى ، فمتى تضعضعت قواعدهم ، وانتقض « 1 » عليهم شيء من أطراف ممالكهم ، أو ظهر عليهم عدوّ أو باغ فتنة ، أو حاسد نعمة ، أو اضطربت عليهم الأمور ، أو رأوا أسباب الغير ، « 2 » فليلجئوا إلى الله تعالى ، ويستجنّوا « 3 » من سوء أقداره بإصلاح ما بينهم وبينه ، بإقامة الميزان القسط الذي شرعه الله تعالى لعباده ، وركوب سبيل العدل والحق الذي قامت به السماوات والأرض ، وإظهار شرائع الدين ، ونصر المظلوم ، والأخذ على يد الظالم ، وكف يد القوي عن الضعيف ، ومراعاة الفقراء والمساكين ، وملاحظة ذوى الخصاصة « 4 »

--> ( 1 ) يقال : انتفض عليه البلد : إذا تغيّر عليه أهله وخلعوا الطاعة . ( 2 ) الغير : الأحداث المتغيرة . ( 3 ) استجنّ : اختبأ واستتر . ( 4 ) ذوى الخصاصة : أصحاب الحاجة المعوزين .